مجموعة مؤلفين ( اعداد : التسخيري )
53
رجالات التقريب
للملك ، امتازت به الأمم التي دخلت فيه عن سواها ممن لم يدخل فيه . . » « 1 » . وهذه الدولة الإسلامية - المدنية ، يمكن - في ظل التنوع الإسلامي في الألسنة واللغات - أي الأقوام - والتعدد في الأقاليم - أي الأوطان - أن تحقق وحدة الأمة ، ووحدة دار الإسلام ، دون أن تكون دولة مركزية واحدة ، وذلك إذا تخلصت أقاليمها وأوطانها وأقطارها من حواجز « الجنسية » التي جاءتنا من الدولة القومية الأوربية - وإذا اجتمعت دولها - تحت مظلة الجامعة الإسلامية - على جوامع الإسلام . « فوطن المسلم من البلاد الإسلامية هو المحل الذي ينوي الإقامة فيه ، ويتخذ فيه طريقة كسبه وعيشه . . يجري عليه عرفه ، وينفذ فيه حكمه . . فهو رعية الحاكم الذي يقيم تحت ولايته . . أما الجنسية فليست معروفة عند المسلمين ، ، ولا لها أحكام تجري عليهم . . وإنما هي عند الأمم الأوربية تشبه ما كان يسمى عند العرب عصبية . . ولقد جاء الإسلام فألغى تلك العصبية ، ومحا آثارها . . والاختلاف في الأصناف البشرية كالعربي والهندي والرومي والشامي والمصري والتونسي والمراكشي ، مما لا دخل له في اختلاف الأحكام والمعاملات بوجه من الوجوه . . ومن كان مصريا وسكن في بلاد المغرب وأقام بها جرت عليه أحكام بلاد المغرب ، ولا ينظر إلى أصله المصري بوجه من الوجوه . . هذا ما تقضي به الشريعة الإسلامية ، على اختلاف مذاهبها ، لا جنسية في الإسلام ، ولا امتياز بين مسلم ومسلم ، والبلد الذي يقيم فيه المسلم من بلاد المسلمين هو بلده ، ولأحكامه عليه السلطان دون أحكام غيره . . » « 2 » . ومع تنوع أقاليم وأقطار وقوميات الجامعة الإسلامية ، تكون جوامع القرآن - من العقيدة والشريعة - هي قبلة الجميع ، فعالم الإسلام « دول متصلة الأراضي ، متحدة العقيدة ، يجمعهم القرآن . . واتفاقهم هو من أصول دينهم ( إنما المؤمنون أخوة ) « 3 » ، وبهذه الوحدة يقيمون سدا يحول عنهم هذه السيول المتدفقة عليهم من كل الجوانب . لا ألتمس بقولي هذا أن يكون مالك الأمر في الجميع شخصا واحدا ، فإن هذا ربما كان عسيرا ، ولكني أرجو أن يكون سلطان جميعهم القرآن ، ووجهة وحدتهم الدين ، وكل ذي ملك على ملكه . . فهذا - بعد كونه أساسا لدينهم - تقضي به الضرورة ، وتحكم به الحاجة في هذه الأوقات . . » « 4 » .
--> ( 1 ) - المصدر السابق ج 3 ، ص 233 ، 288 ، 286 ، 285 ، 287 ، 225 ، 226 ، ج 4 ، ص 412 . ( 2 ) - المصدر السابق ، ج 2 ، ص 505 - 508 . ( 3 ) - الحجرات / 10 . ( 4 ) - ( الأعمال الكاملة لجمال الدين الأفغاني ) ج 2 ، ص 28 ، 29 . دراسة وتحقيق : د . محمد عمارة ، طبعة بيروت سنة 1981 م .